حين تأخّر القطار

لم يكن تأخّر القطار حدثًا استثنائيًا في تلك المحطة الصغيرة،
لكن في ذلك الصباح، كان له أثر مختلف.

وقف سامي على الرصيف، يحمل حقيبة خفيفة أكثر مما ينبغي لرجل في منتصف الثلاثينات.
لم يكن يسافر كثيرًا، ولم يكن يحبّ الانتظار،
لكن هذا اليوم جمع الأمرين معًا.

نظر إلى لوحة المواعيد، ثم إلى ساعته، ثم تنفّس ببطء.
تأخير نصف ساعة…
وقت كافٍ ليفعل أي شيء، أو لا يفعل شيئًا على الإطلاق.


محطة بلا استعجال

المحطة كانت هادئة على غير العادة.
مقهى صغير في الزاوية، بائع صحف يصفّ جرائده بعناية،
وعدد قليل من المسافرين، كلّ منهم غارق في عالمه الخاص.

جلس سامي على مقعد خشبي، وأخرج هاتفه،
ثم أعاده إلى جيبه بسرعة،
كأنه قرّر فجأة أن يترك العالم الرقمي خارج هذه اللحظة.

كان يشعر بشيء غامض…
ليس حزنًا، ولا قلقًا،
بل إحساسًا بأن هذا التوقف المفاجئ يحمل معنى ما.


امرأة تقرأ ببطء

على المقعد المقابل، جلست امرأة تقرأ كتابًا ورقيًا.
ذلك وحده كان لافتًا.

كانت تقلّب الصفحات بهدوء،
دون أن يبدو عليها أي استعجال،
كأن الوقت هنا لا يملك سلطة عليها.

لاحظ سامي عنوان الكتاب، لكنه لم يستطع قراءته كاملًا.
تردّد قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

— يبدو كتابًا ممتعًا.

رفعت رأسها، وابتسمت بدورها.
— هو كذلك… لكنه يحتاج صبرًا.

ضحك سامي بهدوء.
— الصبر أصبح عملة نادرة.

أغلقت الكتاب،
وكأنها وافقته دون أن تقول ذلك صراحة.


حديث عن الوقت

تحدّثا عن أشياء بسيطة في البداية:

  • الطقس

  • تأخير القطارات

  • المدن التي يزورها الناس دون أن يعرفوا عنها الكثير

ثم، دون أن يشعر سامي،
انحرف الحديث إلى موضوع الوقت.

قالت المرأة:
— المشكلة ليست في قلّة الوقت، بل في أننا نملأه بأشياء لا تشبهنا.

توقّف سامي لحظة.
لم يكن هذا نوع الجمل التي تُقال عشوائيًا.

— وهل نعرف فعلًا ما الذي يشبهنا؟
سألها.

أجابت بعد تفكير:
— أحيانًا نعرف… لكننا نؤجّل.


حقيبة خفيفة، وأسئلة ثقيلة

نظر سامي إلى حقيبته.
لم يكن فيها سوى ملابس قليلة، ودفتر قديم، وكتاب لم يُكمله منذ سنوات.

قال:
— أنا مسافر لأبدأ من جديد… أو هكذا أُقنع نفسي.

ابتسمت المرأة، دون أن تُظهر دهشة.
— البدايات الجديدة لا تحتاج سفرًا دائمًا،
أحيانًا تحتاج شجاعة فقط.

شعر سامي أن هذه الجملة أصابته مباشرة.
كم مرة فكّر في التغيير؟
وكم مرة أخّره بحجج منطقية… ومريحة؟


إعلان القطار

قطع صوت المذياع اللحظة:

“القطار المتجه إلى المدينة الشمالية سيصل بعد عشر دقائق.”

نهض بعض المسافرين،
بينما بقي سامي جالسًا، كأنه لا يريد أن تنتهي هذه الوقفة.

قال:
— أشعر أن هذا التأخير لم يكن صدفة.

أغلقت المرأة كتابها، ووقفت.
— ربما… أو ربما نحن من نبحث عن معنى لأي توقف.

مدّت يدها لتصافحه.
— أتمنى لك بداية تشبهك.

صافحها، وشعر بشيء دافئ وغريب في آن واحد.


بعد الرحيل

صعد سامي إلى القطار.
جلس قرب النافذة،
ورأى المرأة تبتعد ببطء على الرصيف.

فتح حقيبته، وأخرج الدفتر القديم.
للمرة الأولى منذ زمن،
بدأ يكتب دون تردّد.

لم يكتب خطة،
ولا قرارًا نهائيًا،
بل كتب سؤالًا واحدًا:

“ما الذي أؤجّله رغم أنني أعرف أنه مهم؟”


خاتمة

تحرّك القطار أخيرًا.
المدينة تغيّرت خارج النافذة،
لكن شيئًا في الداخل كان قد تغيّر بالفعل.

أدرك سامي أن بعض اللقاءات:

  • لا تطول

  • لا تتكرر

  • لكنها تترك أثرًا يكفي لبدء طريق جديد

وأدرك أيضًا أن:
التأخير أحيانًا… هو الشيء الوحيد الذي نحتاجه لنفهم.

Post a Comment

hello

أحدث أقدم