الطريق الذي لا يظهر على الخرائط
في مدينةٍ لا تذكرها نشرات الأخبار، ولا تُرسم تفاصيلها بدقة على الخرائط، كان يعيش سليم؛ رجل في منتصف الثلاثينات، يعمل في إصلاح الساعات القديمة.
محله صغير، بالكاد يتسع له ولطاولة خشبية عتيقة، وعدد لا يُحصى من الساعات التي توقفت عن العمل… تمامًا كما شعر هو أحيانًا.
لم يكن سليم فقيرًا جدًا، ولا غنيًا بما يكفي ليحلم كثيرًا. كان يعيش حياة هادئة، رتيبة، يبدأ يومه في التوقيت نفسه، ويغلق محله في التوقيت نفسه، وكأن حياته كلها مضبوطة على ساعة واحدة لا تتأخر ولا تتقدم.
لكن أكثر ما كان يزعجه، ليس الملل… بل الشعور بأن الوقت يمر من حوله، لا من خلاله.
ساعة بلا صاحب
في أحد الأيام الممطرة، دخل إلى المحل رجل مسن، يرتدي معطفًا داكن اللون، ويحمل ساعة جيب قديمة جدًا.
وضعها على الطاولة وقال بصوت منخفض:
— "هذه الساعة لا تعمل… لكنها مهمة."
تفحّص سليم الساعة بدقة. كانت متوقفة منذ زمن، لكن الغريب أن عقاربها كانت ثابتة على وقت محدد: الخامسة وسبع عشرة دقيقة.
سأل سليم الرجل:
— "متى توقفت؟"
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة وقال:
— "منذ اللحظة التي توقفتُ فيها عن اتخاذ القرارات."
وقبل أن يسأل سليم أكثر، ترك الرجل الساعة وغادر، دون أن يترك اسمه أو رقمًا.
محاولة الإصلاح
حاول سليم إصلاح الساعة كأي ساعة أخرى. فكّها، نظّف التروس، غيّر النابض…
لكنها لم تتحرك.
في تلك الليلة، أخذ الساعة إلى بيته، وهو أمر نادر بالنسبة له. وضعها على الطاولة بجانب سريره، ونظر إليها طويلًا.
فجأة، وفي لحظة صمت عميق، سمع صوت نقرة خفيفة.
تحرك العقرب… دقيقة واحدة فقط.
ثم توقف.
بداية التغيّر
في اليوم التالي، لاحظ سليم شيئًا غريبًا:
كلما اتخذ قرارًا كان يؤجله منذ زمن — كأن يتحدث بصدق مع زبون، أو يرفض عملًا لا يريده، أو يخرج من المحل قبل الغروب — كانت الساعة تتحرك دقيقة أخرى.
بدأ يربط بين الأمرين.
الساعة لم تكن تُقاس بالزمن… بل بالشجاعة.
قرارات صغيرة… تغييرات كبيرة
قرر سليم أن يختبر الأمر بجدية.
اتصل بأخته التي لم يتحدث معها منذ سنوات بسبب خلاف قديم.
اعتذر، دون تبرير طويل.
تحركت الساعة خمس دقائق دفعة واحدة.
قرر بعدها أن يغلق المحل يومًا كاملًا، ويزور المدينة القديمة التي كان يحلم بالسفر إليها لكنه لم يفعل قط.
تحركت الساعة مرة أخرى.
لم تكن القرارات كبيرة في نظر الآخرين، لكنها كانت ضخمة في داخله.
الخامسة وسبع عشرة دقيقة
بعد أسابيع، بدأت الساعة تقترب من التوقيت الذي توقفت عنده أول مرة.
الخامسة وسبع عشرة دقيقة.
سليم أصبح شخصًا مختلفًا:
-
لم يعد يخاف من قول "لا"
-
لم يعد ينتظر اللحظة المثالية
-
لم يعد يصلح ساعات الآخرين وينسى ساعته
وفي مساء هادئ، عاد الرجل المسن إلى المحل.
نظر إلى الساعة، التي كانت تعمل الآن بانسجام كامل، وقال:
— "إذن… تحركت."
أجاب سليم بابتسامة:
— "نعم، لكنها لم تكن بحاجة إلى إصلاح… بل أنا."
النهاية التي ليست نهاية
أخذ الرجل الساعة، وترك خلفه عبارة كتبها على ورقة صغيرة:
"الوقت لا يضيع… نحن من نضيع داخله."
في اليوم التالي، أغلق سليم محله مبكرًا، وعلّق لافتة صغيرة:
"سأعود غدًا. لدي حياة أعيشها."
وللمرة الأولى، لم يشعر أن الوقت يهرب منه…
بل شعر أنه يمشي معه، خطوة بخطوة.
إرسال تعليق
hello